أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
178
عجائب المقدور في نوائب تيمور
ذكر ما وقع من الخباط بعد وقعة ابن عثمان في كل ثغر ورباط ولما حصل لرأس مملكة الروم هذه الوعكه ، واندعكت أجسام عسكرها الجسام أقوى دعكه ، وأخنى عليهم الجند المشؤوم ، ونعق في صباحها غراب البين ، وزعق في رواحها البوم ، وتلا في محراب أنسها على جماعتها إمام القضاء والقدر : ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ « 1 » خضعت رؤوسها ونواصيها ، وتزلزلت حصونها وصياصيها ، وتزعزع دانيها وقاصيها ، وانبهر طائعها وعاصيها ، فحاصوا حيصة الحمر ، وأيسوا من الأهل والأوطان والمال والعمر ، إذ قد ذهب منهم الرأس ، ولم يبق فيهم من يقيم البأس ، فلما سمعوا أن أمير سليمان ضم الناس إلى نحره ، وعزم على العبور إلى بر أدرنه بقطع بحره ، سالت بهم الأودية والشعاب إليه ، وعولوا في خلاصهم من ذلك البلاء الطام عليه ، فصالح أهل استنبول ووادهم ، وعاهدهم على أن لا يغدر كل منهم بالآخر ومدهم ، ثم قصدهم ان يعينوه على الوصول ، بقطع البحر من ثغري كاليبولي واستنبول ، إذ ليس لهذين البحرين ، من هذين البرين ، طريق قريب ومعبر سوى هذين الثغرين ، فإن بحر اسكندريه ، يأخذ على أنطاكيه ، وعلاية « 2 » ثم يروم ، بلاد الروم ، فتحصره الجبال ، قبل وصوله بلاد الشمال ، فلا يزال في حصره يدق ، وشفتا جانبيه ترق ، حتى تتراآى حافتاه ، ويكاد تنطبق شفتاه ، ومسيرة هذا الانضمام ، نحو من ثلاثة أيام ، ثم يأخذ في المد والانبساط ، والجريان على وجه النشاط ، ثم تدور كتائب أمواجه وتتكردس ، وتأخذ نحو بلاد الدشت والكرج ، حتى تصل كما ذكر إلى بلاد الجركس . وما أمكن أحد من سواحر الحكمة ، ومهندسي النوافث « 3 » ، أن يعزز
--> ( 1 ) - سورة الروم - الآيتان : 1 - 2 . ( 2 ) - علاية أو العلايا على البحر المتوسط إلى الجنوب من أنطاليا - تقويم البلدان ص 381 ( 3 ) - النوافث : السحرة